حبيب

منوع


    حديث المجالس

    شاطر
    avatar
    حبيب
    الاداره
    الاداره

    عدد المساهمات : 553
    نقاط : 1461
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 25/11/2009

    حديث المجالس

    مُساهمة من طرف حبيب في الثلاثاء ديسمبر 01, 2009 1:25 am

    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله الهادي إلى صراط الله والقائل فيما رواه عنه أبو داود : " ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا ", فاحرص أخيّ أن يكون حديثك ما بين التحيتين مليئا بالخير, جديرا بكرم ربّك وغفرانه, مترفّعا عن توافه الأخبار وفوارغ الكلمات وهتك الأعراض التي حفلت فيها مجالس السمر والسهر وحديث المكاتب في العمل , وأصبح مايسمى بتحليل الشخصية وتقييم المواقف- ماذا حصل وما كان ينبغي أن يحصل وماهي العبر المستخلصة - في أحسن الأحوال عناوين برّاقة تغلّف سوء الظنّ والغيبة والنميمة والحقد والحسد في حياتنا الأسرية والمهنية والاجتماعية

    ما بالنا زهدنا بتكريم ربنا لنا : " لقد أمر الإسلام باحترام الإنسان ، فلا يجوز أن يؤذى في حضرته ، أو يهان في غيبته ، حتى بكلمة يكرهها لو سمعها، ولو كانت حقيقة في نفسها، ولكنها تؤذيه، وحتى بعد موته لا يذكر إلا بخير " (1).

    أليس المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه , أين نحن من وصية المصطفى : " لاتباغضوا ولاتحاسدوا ولاتدابروا ولاتقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا .. " (2)


    إنّ الموضوع جدّ خطير ولا يبشّر بالخير إن استمرّ الحال على مانراه ونسمع عنه , وعندما تختلط الأمور ببعضها ويضيع الطالح بالصالح وتمرض النفوس ويستشري الداء وتسرح شياطين الإنس والجن بين الإخوة والأصدقاء والقرابة والجارات , لابدّ من العودة إلى صوت العقل والسيطرة على هوى النفس , ولابدّ من تدخّل أصحاب العلم بجديّة وعمق , ولابد من العودة إلى ينبوع الأخلاق الصافي والتزوّد منه منهلا مستمرا في حياتنا , ولنبدأ خطوة خطوة :

    إلقاء التحيّة : يقود إفشاء السلام إلى شيوع المحبة فطريا وإلى صفاء القلوب والائتلاف الاجتماعي وهذا هو مقصد الشرع الحكيم , وإنّ من علامات يوم القيامة الغير محمودة سلام الخاصّة وهو اقتصار السلام على المعارف , فكيف إذا دخل المرء مجلس قوم , إنّ من تطبيق السنّة بمكان إلقاء السلام عند دخول المجلس وعند الخروج منه : " إذا انتهى أحدكم على المجلس فليسلّم فإذا أراد أن يقوم فليسلّم فليست الأولى بأحقّ من الآخرة " (3).


    الجلوس حيث انتهى المجلس : كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا أتوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جلسوا حيث ينتهي المجلس , وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه تواضعا مع الحضور وتأدّبا مع الحديث الشريف : " لايقيمنّ أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسّعوا وتفسّحوا " (4) .



    بدء الحديث بذكر الله تعالى والصلاة على رسول الله : من شعار المسلم في حديثه البدء بذكر بالله تعالى مستعيذا به من الشيطان الرجيم متبرّأ من شر نفسه ومصليّا على رسول الرحمة صلّى الله عليه وسلّم : " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلّوا على نبيّهم فيه إلا كان عليهم وترة إن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم " (5).


    احترام كبير السن : قالوا قديما عليك أن تحفظ ألف بيت من الشعر قبل أن تقرض الشعر , وبالمثل على الشبّان اليافعين الذين يحضرون مجالس الكبار أن يتعلّموا الإنصات وحسن الاستماع قبل أن يتعلّموا الكلام وحسن الكلام وإذا تكلّموا فليتكلّموا بأدب جمّ وألا يقاطعوا إلا لضرورة , قال الصحابي الجليل أبو سعيد بن جندب : " لقد كنت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غلاما فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا ههنا رجالا هم أسنّ منّي " .


    ومن مظاهر احترام الشيخ الكبير إكرامه وإجلاله وخدمته وحسن الاستماع له والحرص على الاستفادة من خبرات حياته والاتعاظ بقصص يرويها ومواقف يعتبر منها وما أكرم شاب شيخا لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند كبر سنّه و " ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا " (6) .

    مجالسة الصالحين : إن مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير وشتّان مابين الإثنين . وفي مجالسة الصالحين خير كثير ودافع ومحفّز للغيرة على الأمة ولإحياء ضمائر باتت نائمة لزمن طويل , والمرء على دين خليله فانظر إلى نفسك وإلى من تصاحبه , واسمع وصية الصادق المصدوق : " لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقيّ " (7) , وأيّة ميزة أعظم من تلك التي خصّها الله تعالى أولياءه الصالحين : " هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ " (8

    حسن الاستماع : والنفس تهفو إلى من ينصت إليها بصدق , وفي حجّة الوداع كان من وصايا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " استنصت الناس " (9)

    قال أحد السلف الصالح : " إن الشاب ليحدثني حديثاً فاستمع له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد " والحقيقة أن كل توصيات البرمجة اللغوية ومهارات التواصل التي تتحدث عن فن الإنصات وحسن الاستماع , لا تخرج من عباءة العبارة السابقة : على المستمع أن يتجه بكل حواسه وأن يستمع جيدا وبإخلاص لمحدثه , فإن لم يكن، فبوجهه على الأقل , أن تقول : نعم... صحيح أو تهمهم ، أو تومئ برأسك، المهم بيّن له بالحركات والكلمات أنك تستمع له , لا تفسر كلام المتحدث من وجهة نظرك أنت ، بل حاول أن تتقمص شخصيته وأن تنظر إلى الأمور من منظوره هو لا أنت , وألا تقاطعه أثناء كلامه ولا تحاول إدارة دفة الحديث وألا تفكر في كيفية الرد قبل انتهاء الحديث وأخيرا أعد ماسمعته في جملة مختصرة واسأل عما غمض عليك , إن الاستماع ليست مهارة فحسب، بل هي وصفة أخلاقية يجب أن نتعلمها، والاستماع متعب حقاً لكنه بالتأكيد خير من وجود خلاف وسوء تفاهم .


    من صور حسن الاستماع الصمت ,على المسلم ألا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرا وظهرت مصلحته الراجحة , فإذا شكّ في ظهور المصلحة وجب السكوت , ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالأولى الإمساك عنه !! لأن كثرة الكلام المباح قد يفضي إلى مكروه أو حرام , وهل يكبّ الناس في النار وعلى وجوههم إلا حصائد ألسنتهم , والسعيد من يضمن فاه وفرجه , ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت .

    ومن صور حسن الاستماع احترام صاحب الاختصاص وفسح المجال له كي يقدّم فكرته ولا نقطع عليه سلسلة أفكاره , وتترك التساؤلات إلى أن ينتهي , ومن الخطأ أن يقاطعه أحدهم بسؤال من هنا وسؤال من هناك أو بمداخلة ليظهر قدراته فيقطع الخير عنه وعن الآخرين , ومن ناحية أخرى فإن تقديم الفكرة العلمية من صاحب الاختصاص بأسلوب مبسّط موجز مفهوم للجميع أمر مطلوب بعيدا عن التكلّف أو الاستعراضية وخير الكلام ما قلّ ودلّ .

    ومن صور حسن الاستماع التناصح : لا بد من إحياء مفهوم التناصح في المجالس ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم والمؤمن مرآة أخيه والدين النصيحة , ولا خير في قوم لم يتناصحوا , والنصيحة أمر لابد أن يكون متبادلاً بين الجميع بذلاً وقبولاً ومن لا يرى إلا نفسه فهيهات أن يكون ناصحاً أو منصوحاً ، ولقد ذمّ الله تعالى بني إسرائيل لتركهم منهج التناصح والسكوت عن إتيان المنكرات : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه , لبئس ما كانوا يفعلون (10) . وأعلم أخيّ أن خير الأصحاب من نصحته فوعى ولدرب الخير سعا إن ذكرته غائبا رقّ القلب ودعا .

    حسن الكلام : الكلمة الطيّبة صدقة , وما كان الفحش في شيء إلا شانه وما كان الحياء في شيء إلا زانه , وليحذر الإنسان أن يتكلم إلا بخير وليتجنّب القذف أو الاتهام أو الكلام الباطل , والكلمة طالما كانت في فيه هو مالكها وإن تفوّه بها ملكته , والله تعالى تجاوز عن الأمّة في ماحدّثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (11) :

    من صور حسن الكلام عدم إثارة الفتنة : فلا تقل كل ما تعرفه ولا تصدّق كل ما تسمعه , ولا تحدّث الناس كلاما لا يفهمونه أو يتوقّع أنهم لن يفهموه فتثير الفتنة وقد يكذّب كلام الله ورسوله , وقياسا عليه ما غمض من الأفكار الطارئة , نعم " رحم الله إمرأ جبّ الغيبة عن نفسه , وكفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ماسمع" (12) . ومن صور حسن الكلام التيسير والتبشير : ليس أسهل على المتكلم بالأخذ بالعسر وتنفير الآخرين ولكنّ التحديّ أن يكون ميسّرا لا معسّرا , مبشّرا لا منفّرا , ليّنا مع إخوانه رؤوفا بهم ورحيما عليهم داعية للخير لا قاضيا عليهم


    ربّ كلمة أهوت بصاحبها سبعين خريفا في جهنم , وربّ كلمة أطفأت نار الحقد من النفوس وألّفت بين القلوب فاختر أيهما أحبّ إليك .

    ومن صور حسن الكلام عدم التناجي : ليس مقبولا أن ينفرد اثنان أو أكثر في حديث جانبي وبصوت خافت ربما يعتقد الآخرون أنهم مقصودون فيه وتلعب الظنون في نفوسهم ويكون هذا مدعاة للتشاحن والبغضاء , وشبيه بذلك أن يتكلّم نفر من القوم بلغة أجنبية عن بقية الجلساء , قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث " (13)


    ومن صور حسن الكلام النهي عن التكلف : وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه بمشقّة , رحم الله إمرأ عرف قدر نفسه فوقف عنده , فمن علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم , قال تعالى : قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (14)


    ومن صور حسن الكلام الكلام المفيد العملي : كان الصحابة رضوان الله عليهم كلّما تعلّموا شيئا طبّقوه فإذا رسخ بدأوا يعملون به وذهبوا ليتعلّموا شيئا آخر ، ونحن في زماننا الحاضر مللنا من كثرة التنظير ونشكو من ندرة التطبيق ، والحق أن كلا الأمرين يكمّل الآخر ويصنع التوازن بينهم ، ولكنّ وجود شيء من دون الآخر غير مجد , قال تعالى : كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون (15).
    ومن صور حسن الكلام احترام الخصوصيات : حدّث الآخرين بمجال اهتمامهم فالفرد يميل إلى من يحاوره في مدار اهتمامه , وقد يكون من بين الحاضرين من يكره المزاح (مثلا) أو لا يتحمّله أو يفهمه خطأ , ففي مثل هذه الأحوال يكون فمن الواجب أن نقلع عن المزاح أمامه ونبقي الحديث على المحمل الجاد

    ومن صور حسن الكلام لكلّ مقام مقال : يقف الخطيب متكلّما في حفل قران والجو بهجة وسرور فيحدّثنا عن عذاب القبر وأهواله , رفقا بنا أيها الواعظ إنّ في ديننا فسحة وكلامك حقّ ولكنّك أخطأت الزمان والمكان .

    حسن الخلق : جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها , وإنّ الفحش والتفحّش ليسا من الإسلام في شيء ، وإن أحسن الناس إسلامًا أحسنهم خلقًا : " إن من أحبّكم إليّ أخلاقا وأقربكم منّي مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدكم منّي يوم القيامة الثرثارون والمتشدّقون والمتفيهقون " (16) .

    الثرثار هو كثير الكلام تكلّفا , والمتشدّق هو المتطاول على الناس بكلامه , يتكلم بملء فيه تفاصحا وتعظيما لكلامه , والمتفيهق هو الذي يملئ فمه بالكلام ويتوسع فيه تكبرا وارتفاعا وإظهارا للفضيلة على غيره .

    من صور حسن الخلق حسن الظنّ بالآخرين , إيّاك أخيّ وسوء الظنّ فإن الظنّ أكذب الحديث , ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلاَّ خيرًا ، وأنت تجد لها في الخير محملاً , عليك بالظاهر والله يتولى السرائر , قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " فمن أظهر لنا خيرا أمنّاه وقرّبناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدّقه وإن قال إنّ سريرته حسنة " . قال تعالى :يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إنَّ بعض الظن إثم(17) . ويترتّب على حسن الظن أن تتجنب العتب مااستطعت إلى ذلك سبيلا , فإنّ كثرة العتب تورث البغضاء , والأولى أن تلتمس لأخيك سبعين عذرا فتملك قلبه . ومع حسن الظن ينبغي على المؤمن أن يكون كيّسا فطنا فلا يلدغ من جحر مرتين , وقد روي عن ابن الخطاب أنه قال : لست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني .

    ومن صور حسن الخلق التواضع قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لايفخر أحد على أحد , ولايبغي أحد على أحد " (18). وقد يتعلّل البعض بأنهم يتخّذون بعض المواقف لإشعار الناس بوجوب الاحترام اللازم لهم ، وقد يصدق هؤلاء في مواطن قليلة , ولكن ما بالهم يشمخون على إخوانهم بأنوفهم وعلام التكبّر , أما علموا أنّه لا يدخل الجنّة من بقلبه ذرّة من كبر , ألم يتّعظوا بمن سبقهم من ضحايا الثلاثية المهلكة : (( أنَا خَيرٌ مِنهُ )) ، (( لي مُلكُ مِصرَ )) ، (( إنَّمَا أوتِيتُهُ عَلى عِلمٍ عِندِي )) والتي ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون (19) , هذه الأصناف كان تملك شيئا تفتخر به فعلت وطغت وهلكت , فكيف بمن يتكبّر من فراغ , ألا تواضعوا لله حبّا لله ورحمة بعباد الله .

    ومن صور حسن الخلق عدم الاستهزاء أو السخرية , قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهنّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (20) .

    ومن صور حسن الخلق تجنب الكذب وإذا كان الكذب ينجّي فالصدق أنجى , " والكذب كان في يوم من الأيام عاراً وشناراً والكذاب كان منبوذاً لكن الحال تغيرت فالمجالس التي كان يتصدرها الصادقون وينفى منها الكاذبون كادت أن تندثر ليحل محلها مجالس رؤوسها أناس يكذبون , ويكذبون , ويكذبون , لكنهم اليوم لا يحتقرون ولا يعاتبون بل ربما يصنفون في عداد الناس الناجحين والإداريين " (21) , هل أصبح السكوت عن الكاذب نوع من حكمة الصمت أو عدم التدخل أو عدم فضح الكاذب أو التجاهل , وأصبحت المفاهيم التالية شعارات مرفوعة ( مادخلني , يصطفلوا , خليك بحالك ) , إن كان هذا يحصل فبئس ما وصلنا إليه من قناعات سلبية , إن الكذب من صفات المنافق وهو يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار .

    ولكن الكذب يجوز في بعض المواضع : فالكلام وسيلة إلى المقاصد وكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه وان لم يمكن تحصيله إلا بكذب جاز الكذب وقد يكون الكذب مباحا وقد يكون واحبا حسب نوعية المقصود . وفي حديث أم كلثوم أنها سمعت رسول الله يقول " ليس الكذّاب الذي يصلح بين الناس فينمّي خيرا أو يقول خيرا " (22) .

    ومن صور حسن الخلق تجنب الغيبة : والغيبة ذكرك أخاك بما يكره فان كان صحيحا فقد غبته وإن لم يكن فيه فقد بهتّه قال تعالى : ولايغتب بعضكم بعضا أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتّقوا الله إنّ الله توّاب رحيم (23) طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس , وطوبى لمن حضر حديث الغيبة فقام يرد عن أخيه الغائب بالحق وبالأسلوب الحسن وبالتي هي أحسن , فمن رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة , وإذا عجز المرء عن رد الغيبة أو الإنكار عليها وجب مفارقة المجلس إن أمكن أو على الأقل اعتزال الحديث والإعراض عنه . ولكن هناك بعض الحالات تباح فيها الغيبة بغية الوصول إلى غرض شرعي لا يمكن تحقيقه إلا بها ومن هذه الحالات : التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى القاضي , رد العاصي إلى الصواب فيخاطب المسؤول عن إزالة المنكر أنّ فلانا يعمل كذا , الاستفتاء فيقول للمفتي ظلمني فلان بكذا فهل له ذلك وما الحلّ لدفع الظلم وتحصيلا للحق , تحذير المسلمين من الشر ونصحهم فاذا سئل رجل عن رأيه في فلان بغية تزويجه وجب عليه أن يردّ بما يعلمه ولايخفي عنه شيئا , التكلم عن المجاهر في المعصية كالمجاهر بشرب الخمر ولكن لا تذكر عنه عيوب أخرى , واذا كان الإنسان معروفا بلقب مثل الأعمى جاز تعريفه بذلك ولا يكون على جهة التنقيص من قدره .

    ومن صور حسن الخلق تجنب النميمة : والنميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم , وحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه , كأن تقول فلان يتكلم فيك بكذا , وحد النميمة كشف ما يكره كشفه ، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث ، وسواء كان الكشف بالكناية أو بالرمز أو بالإيماء ، وحسبنا زجرا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لايدخل الجنة نمّام " (24) . وعلى من يحضر حديث النمّام أو من حُملت إليه نميمة ألا يصدّق الكلام وألا يظنّ بأخيه الغائب سوءا وأن ينهي النمّام عن فعله وينصحه في الله , وألا يتحرى عن مدى صدق الكلام المحمول وألا يعيد سرد نميمته فيصبح مثله , ولنا في رسول الله أسوة حسنة : " لايبلّغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا , فإني أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " (25) , ومهما كانت طبيعة الكلام المنقول ومهما كانت طبيعة النفس البشرية نقيّة صافية لا بدّ لهل أن تتأثر , ولتعلم أنّ الذي أغاظك هو من بلّغك الخبر . وإذا كانت هناك مصلحة شرعية في الاستماع أو نقل الكلام وجب ذلك كمن يخبر أن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله ، أو أخبر وليّ الأمر بأن إنسانا يفعل كذا ويسعى بما فيه مفسدة ، ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته ، فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام ، وقد يكون بعضه واجبا وبعضه مستحبا على حسب المَواطن والله أعلم بالنوايا . والواقع أن الكذب والغيبة والنميمة على أرضية خصبة من الحقد والحسد من أبشع الصفات تلازما وانتشارا في حديث المجالس والبلوى عمّت المجتمع , والتخلّص منها يحتاج إلى توعية ومجاهدة كبيرة ولايلقّاها إلا الذين صبروا ولايلقّاها إلا ذو حظ عظيم . وبالمقابل هناك بعض المفاهيم المغيّبة من قاموس حياتنا ينبغي التركيز عليها وإعادة بعثها في أحاديث المجالس , إنها التغاضي والتسامح والتناسي : فأن تتغاضى عن إساءة تعرضّت لها هذا هو الأصل , وإذا لم يكن للتغاضي موقع واضطررت إلى معاتبة المسيء والحوار معه وبيّنت له خطأه بالحسنى فليكن ولتتصالحا ولتسامحه فورا , وإذا كان الله قد أنعم عليك بذاكرة حديدية لاتصدأ ثم تحايل عليك شيطانك ليذكرك بما حصل أو نقل إليك ليوغر صدرك على موقف طويت صفحته فالجأ إلى التناسي وتعامل مع الموقف بحادية كأنك تنظر إلى أفلام كرتون وادع لنفسك ولأخيك دعوة بالغيب ترضي فيها ربك وتغيظ شيطانك . كفارة المجلس : لا يخلو مجلس حديث مهما علا شأن جالسيه وصفت نفوسهم من بعض صغائر الذنوب وربمّا أكبر من ذلك , فإذا تغلّب عليك الشيطان بموقف , ردّ له الصاع صاعين : عذ بربك من كيده الضعيف , وادع كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إذا قام من المجلس : " سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك " (26) , ولاتنس وأنت تلقي على أخيك تحية الوداع أن تقول له : استودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم . ولاتقل لاشيء جديد في المقالة (27) , إنها تذكرة لي ولك ولمن عشت معهم ردحا من الزمن في عملي أكثر من عائلتي , والذكرى تنفع المؤمنين والعبرة في التطبيق , اللهم علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علما .

    ـــــــــــــــــــــــ

    (1) يوسف القرضاوي / ثقافة التسامح عند المسلمين / موقع حيران

    (2) متفق عليه

    (3) رواه أبو داود والترمذي

    (4) متّفق عليه

    (5) رواه الترمذي

    (6) رواه أبو داود والترمذي

    (7) رواه أبو داود والترمذي بإسناد لا بأس به

    (8 أخرجه البخاري

    (9) متفق عليه

    (10) المائدة 79

    (11) ق 8

    (12) رواه مسلم

    (13) متفق عليه

    (14) ص 86

    (15) الصف 3

    (16) رواه الترمذي

    (17) الحجرات 12

    (18) رواه مسلم

    (19) كمال الخطيب / إياك وثلاث : أنا ، وعندي ، ولي / موقع حيران

    (20) الحجرات 11

    (21) محمد نجيب بنان / تغير المفاهيم وتبدل القيم الكذب كمثال / موقع حيران

    (22) متفق عليه, وفي رواية مسلم زيادة : ولم أسمعه يرخّص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث , تعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها

    (23) الحجرات 12

    (24) متفق عليه

    (25) رواه أبو داود والترمذي

    (26) رواه ابو داود

    (27) فكرة المقالة مقتبسة من إحدى خطب الجمعة
    avatar
    فتى الجنوب
    مشرف قسم الرياضه

    عدد المساهمات : 77
    نقاط : 194
    السٌّمعَة : 1
    تاريخ التسجيل : 05/12/2009

    رد: حديث المجالس

    مُساهمة من طرف فتى الجنوب في السبت ديسمبر 05, 2009 10:15 pm

    إن من أحبّكم إليّ أخلاقا وأقربكم منّي مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدكم منّي يوم القيامة الثرثارون والمتشدّقون والمتفيهقون " (16) . صق رسول الله صلى الله عليه وسلم (شكرآ على هذا الموضوع

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أغسطس 14, 2018 6:19 pm