حبيب

منوع


    اصحاب الفيل

    شاطر

    سكون الليل
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    عدد المساهمات : 112
    نقاط : 318
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 27/11/2009

    اصحاب الفيل

    مُساهمة من طرف سكون الليل في الخميس فبراير 11, 2010 2:16 pm



    بقلم : عبد الودود يوسف
    رسوم : هيثم حميد






    ـ1 ـ

    بسم اللهِ الرّحمنِ الرحيمِ

    ألمْ ترَ كَيفَ فعَلَ ربُّكَ بأصحابِ الفيلِ (1) ألمْ يجعلْ كيدهُمْ في تضليـلٍ (2) وأرسَلَ عليهمْ طيراً أبابيلَ (3) ترميهمْ بحجارةٍ منْ سجيلٍ (4) فَجَعَلهُمْ كَعَصْفٍ مأكولٍ (5)

    كيف فَعَلَ ربّكَ بأصحابِ الفيلِ ؟!!

    كانَ الملكُ ذو نواس يُشرِفُ بنفسهِ على حفرِ الخنادقِ وإشعالِ النّيرانِ فيها بينما كان عشرونَ ألفاً من المؤمنينَ بِدينِ السيّدِ المسيحِ ينتظرونَ مَصيراً لم يكونوا يتصوّرونهُ . اشتعلت نجرانُ بالنّيرانِ ، ووصلَ لهيبُها إلى كلِّ مكانٍ ، وأخذَ جُندُ ذي نُواس اليهودي يُلقونَ بالمؤمنينَ في الخنادقِ يُحرقونهمْ دونَ رَحمةٍ لأنّهم اتّبعوا دينَ التّوحيدِ الخالصِ الذي جاءَ به الرّسولُ المسيحُ عليهِ الصّلاةِ والسّلام . لكنْ هل يتركُ اللهُ الظّالمينَ دُونَ عقابٍ ؟!! لابُدَّ أنْ يُهْلِكَهُمْ كَما أهْلكوا أتباعَهُ وَجُنْدَهُ ،لكِنْ متى سَيتمُّ ضلكَ . وأينَ ؟!!...

    الفارسُ ذو ثُعْلُبانْ


    كانت أجواءُ اليمنِ تمتَلئُ بالنّارِ وَالدُّخَانِ ، مَعَ قهقَهاتِ الملكِ الفاجرِ ذِي نُواسٍ . كمَا كانت أنّاتُ المؤمنينَ والشهداءِ تملأُ أجواءَ نجرانَ . وكانت صَحراءُ العربِ تشهدُ فارساً عَبقرياً جَعَلَ اللهُ بَينَ يديهِ بِداية الثّأرِ لأولئكَ المؤمنينَ .

    كانَ الفارسَ دَوْسٌ ذُو ثُعْلُبان يَطويْ الصّحراءَ كالبَرقِ ، قَلْبُهُ مَمْلوءٌ بالحَسَراتِ ، وَعيناهُ تَذرِفانِ الدّموعَ عَلى أَهلهِ وأصْحابِهِ وأبنائِهِ الذينَ أحْرَقَهمُ الظّالمُ ذو نواسٍ في نجرانَ . كان قلبُهُ يَشتعلُ بالآلامِ حينَ يذكرُ صُراخَ الأمّهاتِ وبُكاءَ الأطفالِ الذينَ كانت نِيرانُ نجرانَ تأكلُهمْ . كما كانت قهقهاتُ ذي نواسٍ تَغرسُ في دمائهِ أعمقُ الأحزانِ .

    ماكان دُوسُ ذو ثُعلُبانَ يُريدُ أنْ يَستريحَ لحظةً أوْ يأكُلَ زاداً . طارَ منَ اليمنِ إلى الشّامِ ليَلقى هُناكَ قيْصرَ الرّومِ الذيْ كان يزورُ دمشقَ ليثيرهُ على ملكِ اليمنِ ذي نواسٍ وليُقنِعَهُ بإرسالِ جيشٍ يثأرُ لأهلِ نَجرانَ المحَرَّقينَ .

    عبرَ ذو ثُعلُبانَ بوّابةَ بابِ الجابيةِ في دمشقَ . وغُبارُ الصَّحراءِ يُغطيهُ من رأسِهِ حتى قدميهِ .

    أسرعَ إلى أوّلِ حمامٍ رآهُ ، دخلَ إليهِ ، ولبسَ ثوبهُ اليَمنيُّ الرَّائعَ الذي أحضرهُ منْ أجلِ مقابلةِ القيصرِ العَظيمِ . وأصلحَ من حَالِ فرَسهِ ، وحملَ سيفهُ ورُمْحَهُ .

    وتوجّهَ إلى قصرِ القيصرِ العَظيمِ ، لكن كيفَ يَستطيعُ الوصُولَ إليهِ ، اتجهَ إلى الكنيسةِ العُظمى . دخلها وصلّى فيها فأثارَ مَنظرهُ كاهِنَ المعْبدِ ، اقتربَ منهُ ، فقالَ لهُ ذو ثعلُبانِ :

    ـ أنا من اليَمنِ ، إسمي ذو ثعلبانَ ديني المسيحيةُ ، هل أستطيعُ رؤيةَ الكاهنِ الأعظَمِ ؟!! وهذهِ هديةٌ تَليقُ بك .

    وأخرجَ منْ جيبهِ كِيساً مَمْلوءاً بالذّهبِ ، ودفعهُ إليهِ .

    همس الكاهنُ :

    ـ سَأوصلكَ إليه فوراً . اتبعني .

    وبعدَ دقائقَ دخلَ ذو ثُعلبانَ إلى الكاهنِ الأعظمِ ، فلمّا وقفَ أمامهُ كسَرَ رُمحهُ ، وخمشَ وَجهَهُ ، وصرخَ :

    ـ يا للعارِ يَلحقُ بدينِ المسيحِ ، سالتِ الدّماءُ من وَجههِ وأثار مَشهدهُ الكاهنَ الأعظمَ ، صاحَ بهِ الكاهنُ :

    ـ سَنرفعُ عنكَ العارَ يا ذا ثعلبانِ . قل ماذا حدثَ لكَ ؟ .

    صَرخَ ذُو ثعْلبانَ :

    ـ يا ليتَ الكارثةَ قدْ وقعتْ بيَ وحدي يا سيّدي .لقد أحرقَ ذو نواسٍ الكافرُ أتباعَ السّيدِ المسيحِ في نجرانَ . ألقى الأطفالَ والنّساءَ والكُهَّانَ في خنادِقِ النّيرانِ .

    صرخَ الكاهنُ الأعظمُ :

    ـ يا لثاراتِ الشّهداءِ ، لنْ أنامَ ، ولنْ أتناولَ الطّعامَ حَتّى يُرسلَ معَكَ القيْصرُ أعظمَ جيوشِهِ للثّأرِ للشّهداءِ ، فهيّا معيَ إلى القصْرِ .

    ما كان ذو ثعْبانَ يظنُّ أنّهُ سَيَصلُ إلى القصرِ بهذِهِ السُّهولةِ . فلمّا دّخلَ القصْرَ معَ الكاهِنِ الأعْظمِ كانَ يُدَبِّرُ خِطّةً ناجحةً لإثارةِ القيصرِ كَما أثارَ الكاهنَ الأعظَمَ .

    تقدّمَ الكاهنُ في قاعة القيصر إلى عرشهِ الامبراطوري ، ووقفَ القيصرُ إجلالاً لهُ ، وَوَقفَ الوزراءُ والقادةُ كُلُّهمْ لِوقوفهِ . صرخَ الكاهنُ :

    ـ يا لثاراتِ الشّهداءِ ؟!! صمَتَ الجميعُ بينما كان ذو ثعلبانَ يُمزقُ ثيابهُ ، وَيَجرحُ وَجههُ .

    همسَ القيْصرُ :

    ـ نحنُ لثأرِكَ يا مَولانا ، قلْ مل ما تريدُ ونحنُ تحتَ أمرِكَ .

    صرخَ الكاهنُ :

    ـ اسمعْ لليَمَني دَوسٍ ذي ثُعلُبان .

    فلمّا حدّثهُ ذو ثُعلبانَ صرخَ :

    ـ وَيْلكَ يا ذا نُواس ، قدْ حَلّتْ عليكَ اللّعنةُ ، ستأكُلُكَ جُيوشُنا ، وتَنتقمُ لشُهَدائنا .

    صرخَ القيصرُ وصَوتهُ يَرتجفُ منَ الغَضبِ :

    ـ اكتب أيّها الوزيرُ كتاباً إلى نجاشي الحَبشةِ كي يُرسلَ إلى اليمنِ أعظمَ جُيوشِهِ ليذبَحَ ذا نواسٍ وليثأرَ للشهداءِ . أعطِ الرسالةَ لذي ثعلبانَ ، وأرسلْ معهُ مائةَ فارسٍ وخادمٍ يسيرونَ معهُ إلى النّجاشي لتنفيذ أمرنا فَوراً .

    خَرَجَ ذو ثعلبان من بلاطِ القيْصرِ وهوَ يُدمدمُ :

    ـ بدأ الثأرُ يا ذا نُواس . لن أهدأَ حتّى أذبحكَ كمَا ذَبحْتَ المؤمنينَ .
    الطريقُ طويلٌ


    سارَ ذو ثعبانَ شهوراً كاملةً مع فُرسانهِ وخدّامهِ ، كانَ كلَّ يَومٍ يَقرأُ رسالةَ القيصرِ إلى النّجاشي مرّتين . مرّةً حينَ يستيقظُ ، ومرّةً حينَ ينامُ . ولا يكادُ ينتهي منها حتى يقفزَ قلبُهُ منَ الفرحِ . كانتْ نفسهُ تهتفُ لهُ :

    ـ إن كنتَ يا ذا نُواسٍ تستطيعُ قتلَ المؤمنينَ الأبرياءِ ، فالله قادرٌ على الانتقامِ منكَ بأيدي منْ همْ أقوى منكَ .

    كانَ فُرسانهُ يُحيطونَ بهِ كالملكِ ، وكانَ بَيْنهمْ قائداً عبقرياً حَقّاً ، وَجهٌ رائعٌ ، وذكاءٌ لامعٌ ، ونفسٌ هنيةٌ ، وقلبٌ حزينٌ ، وكفٌّ كريمةٌ . لكن أينَ أنتِ يا حبشةُ ؟!!
    هل يستجيبُ النّجاشيّ ؟


    تهيّأ فرسانُ الحبشةِ لاستقبالِ وفدِ القيصرِ ، كانَ ذو ثعلبانَ يسيرُ وسطَ المائةِ فارسٍ وقلبُهُ قَلقٌ ، ونفسُهُ مملوءةٌ بالمخاوِفِ أنْ يجدَ النّجاشي لنفسهِ عُذراً فلا يلبي طلبَ القيصرِ .

    صاحَ قائدُ حرسِ القيصرِ عندما دخلَ ذو ثعلبان إلى بلاط النّجاشي :

    ـ أهلاً برُسلِ القيصرِ ... أمرهمْ على الرّأسِ والعينِ .

    وقفَ القادةُ كلّهمْ في قاعةِ النّجاشي وهُمْ يُتابعونَ حركاتِ ذي ثعلبان الهادئة اقتربَ من النجاشي وأحنى رَأسهُ ، ورَكعَ على رُكبتيهِ ، وقدّمَ رسالةَ القيْصرِ . ثم وقفَ ينتظرُ . قرأ النّجاشيُ الرّسالةَ ، ثمَّ نظرَ إلى ذي ثعلبان . فوضعَ ذو ثعليانَ أظافِرَهُ في وَجْههِ ... وغرسها حتى سَالتْ منهُ الدّماءُ ، ووقعتْ قطراتُها على الأرضِ عندَ قدمي النّجاشيِّ حَمراءَ ساخنةً ، وذرفَ الدَّمعَ وهو يَهمسُ :

    ـ يا لثاراتِ دينِ المسيحِ ، يا لثاراتِ أهلي وأطفالي وأمّةِ نجرانَ كلِّها .

    وقفَ النجاشي بقوةٍ ، ثمّ نظرَ إلى يمينهِ وشِمالهِ وتقدّمَ ، فوقفَ الموجودونَ ، كُلَّهمْ لِوقوفهِ صرخَ :

    ـ على القائدينِ أبرهةَ وأرْياطَ أنْ يُجهِّزا جيشاً كبيراً لغزوِ الكافر ذي نُواسٍ في اليمنِ .

    صاحَ القائدانِ :

    ـ سمعاً وطاعةً يا مَولايَ .

    بينما كان النجاشي يقتربُ منْ ذي ثعلبانَ ، ويمسحُ بيدهِ دماءَ وجْههِ ودموعَ عَينيهِ .

    انحنى ذو ثُعلبان وقبّلَ رِداءَ النجاشي ، فرَفعهُ النجاشي وقال لهُ :

    ـ سَتكونُ أنتَ ملكَ اليمنِ بعدَ زَوالِ الفاجرِ ذي نواسٍ ، وسأُرسلُ معكَ جَيشاً لمْ ترَ اليمنُ أكبرَ منهُ ، فهلْ يُرضيكَ هذا ؟!!..

    همسَ ذو ثعلبانَ :

    ـ وهل نسيرُ غداً إلى اليمنِ يا مولانا ؟!! أمْ أسبقُ الجيشَ لأُمهّدَ لهُ الطّريقَ .

    ابتسمَ النجاشيُّ وقال :

    ـ لا .. لا .. ستذهبُ مَع الجيشِ ، وجيشُنا القويُّ لا يحتاجُ إلى تَمهيدٍ . وسَتقتلُ ذا نواسٍ بيَدَيكَ ، وغداً تُسافرونَ إلى اليمنِ إنْ أردتَ ذلك .

    ركعَ ذو ثعلبانَ مَرةً أُخرى ، وقبّلَ طرفَ رِداءِ النَّجاشيّ ، وانسَحبَ منْ بلاطهِ إلى القصرِ الذّي أمَرَ النَّجاشي أن يَنزلَ فيه .

    لمْ ينمْ ذو ثعلبان تلكَ اللّيلةَ ، كان يُصلي لله حَمداً وشُكراً ويصقلُ سَيْفهُ ، ويُهيّئ بيدهِ رُمحاً خارقاً ، وتُرساً حبشياً نادراً .

    ماذا سيَحدُثُ للملكِ الظَّالمِ ذي نواسٍ ؟!!

    عبَرَ جَيْشُ أبرهةَ وأرياطَ الضّخمُ مَضيقَ بابَ المندبِ إلى اليمنِ وكانَ أوّلَ عابرٍ هو ذو ثعلبانَ ، فلمّا خرجَ منَ البحرِ إلى برِّ اليمنِ ، رفعَ يدهُ برمحهِ ، وغرسهُ في الأرضِ بكلِّ قُوّتهِ وصرخَ :

    ـ غداً سنثأرُ يا ذا نواس ، سننتقمُ لأرواحِ المؤمنينَ الذينَ أحرقتهمْ في خنَادقِ نجرانَ.

    وبعدَ أيّامٍ كان جيشُ أبرهةَ وأرياطَ يقفُ أمامَ جيشِ ذي نواسٍ ، وَهيهاتَ لذي ثعلبانَ أن ينتظرَ ، هَجَمَ على ذي نواسٍ ، وَ هَجَمَ الجيشُ كُلُّهُ بَعدهُ . وفي أقلَّ من ساعةٍ انهزمَ جيشُ ذي نواسٍ ، لكنْ هيهاتَ أنْ يُفلتَ من قبضةِ ذي ثعلبانَ ، هَرَبَ ... فلحقهُ ذو ثعلبانَ رَغمَ الجِراح التي كانتْ تملأُ جَسَدَهُ من ضَرَباتِ حُرّاسِ ذي نواسٍ وأعوانهِ . كانَ دمهُ يَنزفُ بغزارةٍ لكنَّ رُوحهُ كانتْ أقوى منهُ ، كان يريدُ أنْ يقتلَ ذا نواسٍ مهما كلّف الأمرُ .

    كان معهُ بعضَ جنودِ الحبشةِ . اقتربوا من البحرِ ، ولمّا لم يجد ذو نواسٍ مفراً ، خاضَ بفرسهِ البحرَ ، بينماكانت سهامُ ذي ثعلبان تلاحقهُ ، فلمّا اختفى في البحرِ غريقاً همسَ ذو ثعلبان :

    ـ الحمدُ للهِ ، لقدِ انتقمَ الله منكَ أيّها الظّالمُ ، فليفرحِ الشّهداءُ المؤمنونَ .

    ثمَّ سقطَ على الأرضِ ميتاً وهو يبتسمُ .

    صاحَ القائدُ أبرهةُ :

    ـ إنّهُ قدّيس .

    وصاحَ القائدُ أرياطُ :

    ـ إنهُ أعظم القدّيسينَ إنّهُ ملِكاً كما قال النجاشي .

    همسَ أبرهةُ :

    ـ أمَا وقد ماتَ فمنْ سَيكونُ الملكَ بَعدهُ ؟!!.

    قهقهَ أرياطُ وقالَ :

    ـ أنا أصبحُ ملكاً يوماً ، وأنتَ تُصبحُ بعدي ملكاً يوماً آخرَ .

    قهقهَ أبرهةُ وصرخَ :

    ـ أنا القائدُ الأوّلُ .

    وصَرَخَ أَرياطُ :

    ـ بل أنا القائدُ الأوّلُ ، والملكُ لي وحدي .

    رفعَ أبرهةُ سيفهُ ، ووضعَ أرياطُ يدهُ على خنجرهِ ، وانقسمَ جَيشُ الحبشةِ إلى قسمين وكادت تقعُ بينهما حربٌ مدمرةٌ . صاحَ أبرهةُ :

    ـ نرسلُ إلى النجاشي ، وننتظرُ أمرَهُ .

    وصاحَ أرياطُ :

    ـ سيوليني النجاشي مَلكاً على اليمنِ لا شكّ .

    صرخَ أبرهةُ وهو يبتعدُ :

    ـ سنرى ...؟!! سنرى ؟!!.
    من سيفوزُ في الحربِ ؟؟.


    لم يكن أبرهةُ يطيقُ أن ينتظرَ عندما علمَ أنَّ القائدَ أرياطَ يتصلُ بقادةِِ جيشِهِ ، ويُغريهمْ بالوقوفِ إلى جانبهِ ، ويعدُهمْ بأعظمِ المناصبِ إنْ همْ وقفوا معهُ ضدّ أبرهة . جمعَ أبرهةُ قادته وقال لهم :

    ـ إنّ أرياط لا يُريدُ انتظارَ أمرَ النجاشي فلابدَّ أن نقتلهُ .

    همسَ القادةُ :

    ـ ونحن معك .

    لكنَّ أرياطَ كانَ قدْ هيّأَ جَيشهُ للقضاءِ على أَبرهةَ . وقفَ الجيشانِ متقابليْنِ صاحَ أَرياطُ :

    ـ يا أبرهةُ ، تعالَ نَحسمِ المعركةَ دونَ أن تذهبَ دِماءُ جيشِ الحبشةِ في هذه البلاد الغيبةِ . تعالَ للمبارزةِ ، فإمّا أنْ تقتلني وإمّا أن أقتلكَ .

    أسرعَ أبرهةُ وخلفهُ حارِسهُ عَتودةُ . وهجمَ على أرياطَ يُريدُ قَتلهُ ، لكنَّ سيفَ أرياطَ كان أسرعَ منهُ ، أّصابَ وجهَ أّبرهةَ فقطعَ أنفهُ وشَفتهُ وذقنهُ فَشَرمهُ ، وأسرعَ عَتودةُ حارسُ أبرهةَ إلى أرياطَ ، وغرسَ رُمحهُ في عُنِقِهِ فقتَلَهُ .

    صاحَ عتودة :

    ـ الأحباشُ يَدٌ واحدةٌ مع أبرهةَ .

    فصاحَ الجيشانِ :

    ـ كُلُّنا مع أبرهةَ .

    رَكِبَ أبرهةُ إلى قَصرِهِ لِيُداوي فيهِ جِراحهُ ، لكنَّ شفتُهُ بقيتْ مشقُوقَةً فَسمّاهُ العَربُ أبرهةَ الأشرمَ .

    رسالةٌ من النّجاشي

    امتلأ قلبُ أبرهة بالخوفِ حِينَ وصلتهُ رسالةٌ من النجاشي يقولُ لهُ فيها :

    ـ واللهِ سأقتلُكَ ، سَأدوسُ أَرضكَ ، سَأذِلُّكَ ، سَأحلِقُ شعرَ رأسِكَ كالعبيدِ ، كيفَ تقتلُ قائدي أرياطَ ؟!!.. أيّها الأحمقُ ، تُريدُ أنْ يكونَ لكَ مُلكُ اليَمنِ دونَ إذني ، سَأقودُ جَيشاً بِنفسي لأؤدِّبكَ .

    اشتعلتِ الحُمّى في جِسمِ أبرهةَ المريضِ خوفاً منَ النّجاشي أن يقتُلهُ أو يعزِلهُ عنْ مُلْكِ اليمنِ فمَاذا يفعل ؟!

    صرخَ :

    ـ آتوني بقدرٍ منْ ذهبٍ .

    فلمّا أَتوهُ بهِ صاحَ :

    ـ املؤوهُ مِنْ تُرابِ اليمنِ ، وعطّروهُ .

    ففعلوا . صرخَ :

    ـ أيّها الحلاّقُ ، احْلِقْ رأسي كُلّهُ .

    فلمّا حلقَ لهُ ، صاحَ :

    ـ هاتوا صُندوقاً مُطَعّماً بالماسِ والجوهرِ .

    فلمّا أتوهُ به وَضَعَ به شعرهُ ، ثمَّ تناولَ ورقةً وقلماً وكتبَ :

    ـ سيّدي وَمولايَ النجاشي . دمي فِداؤكَ ، وأنا عَبدُكَ المطيعُ ، أَرسلتُ لكَ تُراباً من أرضِ اليمنِ لِتدوسهُ . وقصَصْتُ لكَ شَعري كلّه كما أحْبَبْتَ لتَبَرَّ بيَمينكَ ، ولا حاجةَ بك أن تَأتيَ إلينا فأنا تحتَ أمركَ ، أنا آتٍ إليكَ عَبداً ذليلاً إنْ أَردتَ ، إنني بانتظارِ أمركَ .

    ابتسمَ النجاشيُّ حينَ قرأ رسالةَ أبرهةَ ، فأرسلَ إليهِ أنّهُ قدْ رضيَ عنهُ ، وأنّهُ قد عيّنهُ ملكاً على اليمنِ .

    القُلَّيسْ

    كانَ سرورُ أهلِ اليمنِ عظيماً بجيشِ الحبشةِ وبأبرهةَ الذّي خلّصهمْ منْ الظّالمِ ذي نواسٍ .

    أعلنَ المؤمنونَ دِينهمْ ، وبنَوا الكنائسَ في كُلِّ مكانٍ ، لكنَّ ضَنعاءَ لَمْ تكنْ تحوي كنيسةً مَلَكيةً ، وهلْ تقومُ مَملكةٌ دونَ كَنيسةٍ ملكيةٍ . وَكُهّانٍ عِظامٍ ؟!!.

    وتحوّلتْ صنعاءُ كُلُّها إلى ورشةٍ عظيمةٍ لبناءِ كنيسةِ الملكِ أبرهة . وما زالَ البَنّاؤونَ يَرفعونَ بناءَها حتى ناطحتِ السّحابَ ، كانَ النّاسُ يَنظرونَ إليْها فلا يَرونَ آخِرها حتى تقعَ قلانسُهُمْ عنْ رؤوسهمْ .

    مَلأها أبرهةُ بالكُهّانِ ، فأصبحتْ آيةً من آياتِ الدُّنيا الرّائعةِ ، بناءً لمْ تعرفْ لهُ اليمنُ مَثيلاً إلا قصرَ بلقيسَ العظيمَ الذي أخذَ أبرهةَ أحجارَهُ وَرُخامهُ ومرمرهُ ليَبني بهِ كَنيستهُ الهَائلةِ .

    كانت قوافلُ قريشٍ تدخلُ صَنعاءَ ، فيَدورُ رجالها حولَ كنيسةِ الُلَّيسِ يَتفرجونَ عليها ويقولونَ :

    ـ ما أروعها وما أعظمها .

    لكنهم ما كانوا ليدخلوها لأنّ عندهمُ الكعبةَ بَيتَ اللهِ الذي بناهُ النبيُ إبراهيمُ عَليهِ الصّلاةُ والسَّلامُ .

    دخلَ أبرهةُ كنيستهُ مَعَ وفدِ النجاشيِّ الذّي جَاءَ ليَرى الكَنيسةَ المذهلةَ . وامتلأتْ نفسُ أبرهةَ فَرَحاً بِها وعَادَ الوفدُ إلى النجاشيِّ ليُخبرهُ بمَا رَأى ومَعهُ رسَالةٌ منْ أبرهة .

    يَقولُ لهُ فيها :

    ـ أصبحَ شعبُ اليمنِ كُلّهُ على دِينِ المسِيحِ ، وسَأعملُ على إيصالِ ديننا إلى أبعدِ مكانٍ في بلادِ العَربِ ، وسأوافيكَ بالأخبارِ عَن كلِّ انتصارٍ ، وسَأجعلُ العَربَ كُلَّهمْ يَحجّونَ إلى القُلَّيسِ ، وَيتركونَ الحَجَّ إلى الكَعبةِ في مكّة .

    أبرهةُ الأشرمُ مَاذا يفعلُ ؟!

    فُوجئَ أهلُ مَكّةَ برسُولِ أبرهةَ إليهمْ ، جَلسوا إليهِ في دَارِ النّدوةِ ، قال لهمْ :

    ـ إن المَلكَ أبرهةَ يأمركمْ أن تَحُجُّوا إلى كَنيسةِ القُلَّيسِ في صَنعاءَ ، وتتركوا الحجَّ إلى الكعبة في مكةَ .

    صاحَ عَبدُ المطلبِ :

    ـ ويْلكَ ، أنتركُ دِينَ إبراهيمَ ، وكعبةَ ربِّنا التي بَناها نبيّهُ ، ونحجُّ إلى كنيسةِ صنعاءَ .. لا .. لا.. لا يمكنُ لهذا أن يكونَ .

    وضجَّتْ أحياءُ العَربِ كُلُّها بأمرِ أبرهةَ الأشرمِ ، ورَفضوا كلُّهمْ ما أرادهُ . وصلَ الرُّسُلُ إلى إلى أبرهةَ ، وأبلغوهُ ما سمعوهُ من قبائلِ العربِ ، فطارَ صوابُه ، كيفَ ترفضُ العربُ دينهُ وقَدْ أتى ليُنقذَهمْ من الملوكِ الذينَ كانوا يَظلمونهُمْ ؟!

    وَفوجئ أبرهةُ بمَا لَمْ يكنْ يَتوقعُهُ . قبلَ أنْ تطلعَ الشّمسُ ، أسرعَ إليهِ وزيرهُ وهمسَ لهُ :

    ـ سيّدي أبرهة ، كاهنُ كنيسةِ القُلّيسِ يرجو رؤيتكُم .

    نَهَض أبرهةُ لاستقبالهِ بِنفسهِ ، رآهُ يقطرُ وجههُ بالغَضبِ ، عَجِبَ لهُ ، هَمَسَ رئيسُ الكُهّانِ :

    ـ أدركْ شرفكَ وَشَرفَ دينِكَ يا مولايَ ، دخلَ إلى كنيسةِ القُلّيسِ بَعضُ عَربِ مكّةَ ، فلمّا خَرَجوا وجَدنا في الهيكلِ بقاياهُمْ النّجسةَ ، فهلْ تتصوّرُ أفظعَ من هذهِ الإهانةِ لبيوتِ اللهِ ؟!! صرخَ أبرهةُ :

    ـ يا ويْلهم ، لابُدَّ أن أؤدِّبهمْ ..

    لكنَّ حديثهما لم يتمّ حِينَ دَخلَ مجموعة من الكهّانِ يَصرخونَ :

    ـ كنيسةُ القُليسِ تحترقُ ، أدركنا يا مولانا الكاهِنُ الأعظمُ .

    ردّدَ أبرهةُ :

    ـ تحترقْ ؟!! واللهِ لأهدِمنَّ كعبتهمْ ، واللهِ لأنهبنّ بِلادهمْ ، غداً يَروْنَ ماذا سَأصنعُ بهم ؟.

    كانَ غضبُ نجاشيِّ الحبشةِ أشدَّ منْ غضبِ أبرهةَ حينَ علمَ بما حدثَ في كنيسةِ القُلّيسِ . أرسلَ لأبرهةَ جَيشاً ضخماً ، وأرسلَ لهُ أكبرَ أفيالهِ ليَهدمَ بهِ الكعبةَ ، فَلمّا وَصَلَ فيلُ النجاشيِّ إلى صنعاءَ انتشرَ خبرَهُ بَينَ قبائلِ العربِ كُلها .

    خرجَ جيشُ أبرهةَ الضخمُ مُتوجّهاً من صَنعاءَ إلى مكّةَ ليهدمَ كعبتها ، وَينهبَ أهلها ، ويُجبرَ العربَ على الحَجِّ إلى كنيسةِ القُلّيسِ في صنعاءَ .

    البطلُ العظيمُ ذو نَفْر

    كانَ النعاسُ يُغالبُ الحارسَ قُماهَةَ ، فقدْ اقتربَ الفجرُ وكادَ النّهارُ يُطلُّ على الدنيا ، لكنّهُ طَرَدَ النَّومَ منْ عينيهِ حينَ رأى مجموعةً منَ الفُرسانِ يَقتربونَ من مضاربِ قبيلتهِ ، أخذَ سَيفهُ ، وأطلقَ كلابهُ ، التّي أسرعتْ تنبحُ بعُنفٍ ، فأيقظتْ رِجالَ القبيلةِ كُلَّهُمْ . خرجوا برماحهمْ وخناجرِهمْ ، وركبوا خيولَهمْ حينما رَأوا أن الفرسانَ القادمينَ ملثمونَ . أسرعَ أحدُ الفرسانِ القادمينَ ، وكشفَ لِثامهُ ، وألقى سَيفهُ أمامَ مَضاربَ القبيلةِ ، فألقى قُماهةُ سَيفهُ واقتربَ منه ، همسَ الغريبُ :

    ـ الملكُ ذو نفرٍ ملكُ قبائلِ اليمنِ قدْ أتاكمْ .

    هَلّلَ الرِّجالُ :

    ـ يا مَرحباً بالملكِ ، يا مرحباً بالعزيزِ ، الأرضُ أرضُكَ ، والبلادُ بلادكَ .

    أسرعَ الرِّجالُ إلى النيران فأوقدوها ، وقام النّساءُ يَنقلْنَ المياهَ ، بينما كانَ اليمنيُّ ذو نفرٍ يُعانقُ شيخَ القبيلةِ . همسَ شيخُ القبيلةِ :

    ـ بكَّرتنا بالخيرِ يا مولايَ ؟

    همسَ ذو نفر :

    ـ أتيتُكمْ بخبرِ السّوءِ ، لا بالخيرِ ، أبرهةُ الأشرم الحبشيُّ في طريقهِ الآن إلى مكة ليَهدمَ الكعبةَ فماذا أنتمْ فاعلون ؟!!

    هتفَ شَيخُ القبيلةِ :

    ـ ويْلَهُ لنْ يصلَ إلى ما يُريدُ إلاّ على أعناقنا .

    صاحَ ذو نفرٍ :

    ـ حَيّاكَ اللهُ يا شيخُ ، فقد اكتملَ منّا جَيشٌ منْ قبائلِ اليمنِ كلّها ، وموعدُنا بعدَ ثلاثةِ أيّامٍ معَ جيشِ أَبرهةَ على مسيرةِ سِتةِ أيامٍ منْ صنعاءَ .

    هتفَ شيخُ القبيلةِ :

    ـ سنكونُ معكَ يا مَولايَ وإن شئتَ خَرجنا معكَ الآنَ .

    غادرَ ذو نفرٍ مضاربَ القبيلةِ ، لم يَأكلُ فيها شيئاً فقدْ أقسمَ ألاّ يهنأَ بطعامٍ حتى يَقتلَ أبرهةَ الأشرمَ . غابَ في الأفقِ معَ فرسانه الملَثمينَ ، بينما اكنَ رجالُ القَبيلةِ يتفقدونَ سُيوفهمْ ورِماحهمْ ، ويُودِّعونَ أطفالهمْ ، كيْ يَلحقوا بالملكِ ذِي نَفْرٍ ، وليُحاربوا مَعهُ أبرهةَ الحَبشي الأشرمَ .

    ذو نفرٍ هل ينتصرْ ؟؟

    لمْ يكنْ أبرهةُ الأشرمُ يظنُّ أنّهُ سَيُقاتلُ جَيشاً لهُ شراسةُ جيشِ ذي نَفرٍ وحيلتهِ ، اصطدمَ معهُ فُجأةً ، وكان كلُّ مُقاتلٍ معهُ يَهجُمُ على المائةِ منْ جُنودِ أبرهةَ دُونَ أن يَهابَ .

    كانت صَرَخاتُ ذو نفْرٍِ تَهُزُّ وِجدَانَ كُلِّ رَجلٍ من رِجالهِ :

    كانَ يصرُخُ مَعَ قرعِ الطبُولِ :

    ـ منْ كانَ يريدُ هَدمَ الكعبةِ فليَهربْ !! من كانَ يرضى أن يُداسَ بيتُ اللهِ فليهربْ !!

    ما قُتلَ جنديٌّ من جنودِ ذي نَفْرٍ إلاّ وقتلَ عدداً من جُنودِ أبرهةَ . لكنْ هَيهاتَ للعَددِ القليلِ أنْ يثبُتَ أمامَ جيشٍ يَفوقُهُ عَشراتِ المرّاتِ . لكنَّ رَجُلاً واحداً من جيشِ ذي نفرٍ لمْ يهربْ .. ماتوا جميعاً أو أُسِروا ، أمّا هوَ فقد توغَّلَ في جَيشِ العدوِّ يقتلُ جُندهُ حتى تكسّرَ سيفُهُ ورُمحُهُ وخِنجرهُ فأسَرَهُ الجُنودُ وأخذوه فَوراً إلى أَبرهةَ .

    نظرَ إليهِ أبرهةُ ساعةً منْ زمانٍ ، ثمّ قالَ لهُ :

    ـ أراكَ قد جُننتَ يَا ذا نفرٍ ؟!.. أَمِثلَ جَيشنا يُحارَبُ ؟!!.. ألا تعرفُ أَننا لا نُغلبُ ، وَلنْ نُغلبَ ؟

    همسَ ذو نفرٍ :

    ـ لو كانَ عِندي رُبعُ جَيشِكَ لما انتصرتَ عليَّ أبداً .

    صرخَ به أبرهةُ :

    ـ إننا جُنودُ الرّبِّ يا ذا نفرٍ ، ولنْ يَهزمنا أحدٌ .

    همسَ ذو نفرٍ :

    ـ جنودِ الرّبِّ لايَهدمونَ بيتَ اللهِ الذّي بناهُ نَبيّه إبراهيمُ . الربُّ بريئ منكم .

    صرخَ أبرهةُ :

    ـ لكنْ بَعدَ أن أهدمَ الكعبةَ ، بيديّ هاتينِ .. وَيرى ذو نفرٍ حِجارتها كومةً أمامَ عَينيهِ .




    سكون الليل
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    عدد المساهمات : 112
    نقاط : 318
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 27/11/2009

    رد: اصحاب الفيل

    مُساهمة من طرف سكون الليل في الخميس فبراير 11, 2010 2:16 pm

    الخثعَميُّونَ يُقاتلونَ أبرهةَ ..


    باتتْ قبائلُ خَثعمٍ تسنُّ السّيوفَ وتُهيئ ، الخيولَ ، أتاهمْ الصَّارخُ أنَّ ذا نفرٍ قدْ أُسرَ ، وأنَّ جيشهُ قد ذُبحَ ، فلابدَّ لهم منَ الانتصارِ لبيتِ الله ، وَالثّارِ لذي نفرٍ وَقومهِ الأبْطالِ ، وَلكلِّ منْ حاربَ مَعهُ .

    كانَ شيخُ الخثعميينَ نُفيلُ بن حَبيب يُوزِّعُ السّلاحَ على رِجالِ قَبيلته ، وَيَدورُ على فرسهِ كالمجنونِ ينتظرُ سادةَ قومهِ .

    فلمّا ظهرتْ خيولُهم صرخَ بأعلى صَوتهِ :

    ـ الثأرَ .. الثأرَ ...

    فرددَ رجالُ خَثعمَ كُلُّهمْ :

    ـ الثأرَ .. الثأرَ ...

    وَرَدَّدَ مَشايخُ القبيلةِ القادمونَ :

    ـ الثأرَ ... الثأرَ ...

    أقبلوا عليه وسيوفُهم تلمعُ بأيدِيهمْ ، كالشُّهب ، نزلَ القادةُ وقُلوبهمْ تَغلي بالغضَبِ .. وَرِماحُهمْ مُنكّسةٌ ، ووُجوهُهمْ تَلتهبُ .

    صَرَخَ نُفيلٌ شيخُهم :

    ـ البيتَ البيتَ يا رجالُ .. أبرهةَ الأشرمُ يريدُ هدمَ بيتِ اللهِ الذّي بَناهُ إبراهيمُ . هل سمعتمْ أنّ أبرهةَ الحبشيّ قدْ أسرَ ذا نفرٍ ، وقتلَ جَيشَهُ ، إنّهُ معهُ يا سادة خثعمٍ .. يُؤذيهِ صباحاً وفي المساءِ ، هل تَرضَونَ أنْ يَهدمَ بيتكمْ ، ويأسرَ الأشرمُ أشرافكمْ ؟!..

    صرخوا جَميعاً :

    ـ سُيوفُنا مَعَكَ ، وقُلوبُنا معكَ ، نَفدي الكَعبةَ بأرواحنا . ونقدِّمَ الدِّماءَ ثأراً منَ الحبشيِّ الذّي أسرَ ذا نَفرٍ ..

    صرخَ نُفيلُ بن حَبيبٍ :

    ـ تجهّزوا للحَربِ فَوراً ، لنْ يَمُرَّ الأشرمُ من ديارِنا إلاّ على أَعناقنا .. فماذا تقوقونَ ؟!!..

    صرخوا جميعاً :

    ـ أرضُ خثعم لن تُهادنَ الأشرمَ . ورِجالنا مُنذ هذهِ السّاعةِ مُستعدونَ .

    ارتفعتْ صَيحاتُ الحَربِ ، وثارتِ الخيولُ ، وضجّتِ الآفاقُ بأصواتِ النّساءِ يَندُبن قَتلى ذي نَفر .

    وبعدَ ايّامٍ بَدتْ طلائعُ جَيشِ أبرهةَ يَتقدَّمها فِيلُ النجاشيّ المرعبُ ، وهاجَم فُرسانُ خَثعمَ جَيشَهُ ، إلاّ أنّ خُيولَهمْ فرّتْ منْ مَنظرِ الفيلِ وجَعيرهِ ، ولاحَقهمْ فُرسانُ أبرهةَ ، تركوا خيُولُهمْ وهَجموا على جَيشِ أبرهةَ .. حتى قُتلوا عن آخِرهمْ لمْ يندمْ واحدٌ منهمْ أنّهُ قدْ قُتلَ في سبيلِ بَيتِ اللهِ في مكّة ، أو أخذَهُ أبرهةُ أسيراً ،. أصبحوا أُمثولةَ العربِ بِالشجاعةِ والبأسِ ..
    أهلُ الطائفِ ما أجبنهُمْ !!


    ارتجفتْ قبائلُ الطائفِ حينَ علمت باقترابِ أبرهةَ منها ، جلسَ شَيْخُهمْ الجَبانُ مَسعودُ بنُ مُعتبٍ يُخوِّفُهمْ :

    ـ يا بني ثقيفٍ ، لا طَاقةَ لنا على حرب أبرهةَ ، قُوموا لِنسألَ رَبَّتنا اللاتَ في بيتها .

    وَقفوا جميعاً أمام صَنمِ اللاتِ بعدَ أنْ طَافوا ببيتها .

    قال شيخُهمْ والخوفُ يكادُ يَقتُلهُ :

    ـ يا ربتنا اللاتَ ، ماذا تقولينَ في حربِ أبرهةَ ؟!..

    صرخَ الكاهنُ :

    ـ لا تريدُ .. لا تريدُ ...

    صرخَ مسعودُ بنُ مُعتبٍ :

    ـ اللاتُ لا تُريدُ الحَربَ .. اللاّتُ لا تُريدُ الحربَ .. تعالوا نفكرُ ماذا سَنفعلُ إذنْ ؟!!.

    همسَ أبو رغالٍ :

    ـ ما أقلَّ عَقلَ الخثعمييّنَ وعَقلَ ذِي نفرٍ ..

    قاتَلوا أبرهةَ وجيشَهَ العَظيم .. وماذا لو حَجُّوا إلى كَنيسَةِ القُلَّيسِ بَدَلَ الكعبةِ ؟! ما أصغرَ عُقولَهُمْ .

    صاح مسعودٌ :

    ـ المُهمُّ أن نُبعدَ أبرهةَ عنْ أن يَهدمَ لَنا بَيتَ ربتّنا اللاّت . مَا رأيُكمْ لو استقبلنا أبرهةَ وأكرمناهُ ، وذبحنا لهُ الخِرافَ والنّعاجَ ، حتى نُقنعهُ بأنْ لا يَهدمَ لنا بيْتَ اللاتِ ؟!!..

    صفّق أبو رغالٍ وَقالَ :

    ـ نعمْ .. نعمْ .. هَذا هُوَ الحقُّ يا سيّدي ، سنفعلُ ما تُريدُ وهذا هُوَ ما تأمُرنا بهِ ربّتُنا الّلات ..

    خَرجوا جَميعاً لِلقاءِ أبرهةَ ، دخلوا إلى خيمتهِ ورَكعَ مسعودُ ابنُ مُعْتِّبٍ أمام عرشهِ ، وهمسَ :

    ـ مَولانا العَظيمَ أبرهةُ ، لا نُريدُ حَربكَ ، وسَنطعمُ جَيشكَ كُلَّه .

    صَاح أبو رغال :

    ـ وأنا أدُلّكَ على الطريق إلى الكعبةِ كي تهدِمَها ما رأيثكَ ؟!!

    همسَ أبرهةُ :

    ـ أنتم عُقلاءُ ،.. أنتمْ من الحكماءِ .

    صاحَ أبو رِغالٍ :

    ـ وسَنحجُّ إلى كَنيسةِ القُلَّيْسِ في صنعاءَ ..

    صاحَ مَسعودٌ :

    ـ هَل يسمحُ مَولانا أنْ لا يَهدمَ لنا بيتَ ربّتنا اللاّت في الطائفِ .

    همسَ أبرهةُ :

    ـ لا .. لا .. لنْ أهدمَهُ إن دَللْتموني على طريقِ مَكّةَ ، وحججْتم إلى كنيسةِ القليسِ في صنعاءَ .

    صفّقَ أبو رغال ، وصاحَ :

    ـ أنا أدلكَ على الطريقِ بنفسي يا مولايَ العَظيمَ ..

    وسارَ الخائنُ أبو رِغالٍ مَعَ أبرهةَ حتى أوصلهُ إلى ضواحي مكّة .

    ثمَّ ماتَ هناكَ في منطقةِ المغَمَّسِ ، ولا زالَ العربُ يَرجُمونَ قَبرهُ منذُ ذلكَ اليوم .
    المكيّونَ هل يُحاربونَ ؟!!


    كانَ سَادةُ قُريشٍ وعلى رأسهِمْ عَبدُ المطّلبِ بنُ هاشمٍ في دارِ النّدوةِ يتشاورونَ .

    كانَ جَوُّ الحَربِ مُسيْطراً عليهمْ . لكنَّ مَكةَ ضجّتْ بالصُّراخِ حينَ دضخلَ رُعاتُها وَهمْ يَضربونَ أنفسهمْ ، وَيصبّونَ التُرابَ فوقَ رؤوسهمْ وَيصرخون :

    ـ يا صباحَ مكةَ ، يا أهلَ الحرمِ ، أخذَ أبرهةُ جميعَ قُطعانكمْ ، وجاءَ يَهدمُ كعبتكمْ .

    خرجَ سَادةُ قريشٍ من دارِ الندوةِ ليسمعوا ما جرى ، ثمَّ عادوا يتشاورونَ ، لكنَّ الخبرَ قطعَ عليهمْ كلَّ أملٍ في الحربِ ، لقدْ ذهبتْ قُطعانهمْ ، وذهبتْ خيُولُهمْ وجمالِهمْ ، فكيفَ يُحاربونَ .

    دخلَ أحد رجال عبدالمطّلبِ وصاحَ :

    ـ سيّدي عبدُ المطّلبِ ، رجلٌ منْ حِمْيَرَ يَسألُ عنكَ .

    خرج عبد المطلبِ ، وخرجَ سادةُ قريشٍ كُلهُمْ خلفهُ ، وعلى بابِ دارِ النّدوةِ رأَوْا رَجُلاً طَويلاً ، سَألهمْ :

    ـ منْ سيّدُ مكّة ؟

    فأشارَ إلى عبدِ المطّلبِ .

    اقترب الغريبُ منهُ وقالَ لهُ :

    ـ أنا حَناطَةُ الحميري يا مولايَ ، أرسلني الملكُ أبرهةُ إليكَ لأخبركَ أنّهُ لا يريدُ أن يُقاتلكم وَيقتلكمْ ، إنّهُ ما جاءَ إلاّ لِيهدمَ الكعبةِ ، فإنْ لمْ تمنعوهُ من ذلكَ ترككم ، وإلاّ قتلكمْ عن آخرِكمْ .

    صاحَ عبدُ المطلب :

    ـ يهدمُ الكعبةَ ، وَيظنُّ أنّهُ يستطيعُ ذلكَ ؟!!.. ولماذا أخذ قُطعاننا إذا كنت صادقاً ؟

    همسَ اليمنيُّ :

    ـ أمرني أنْ أُخبركمْ بذلك ، كما أمرني أن آتيَ بسيّدكمْ لمقابلتهِ .
    أبرهةُ وعبدُ المطلبِ


    كانَ أبرهةُ قدْ هيّأَ جيشهُ للقتالِ حينَ علمَ أنَّ سادةَ قُريشٍ قد قرّروا حربهُ ، فهمْ أقوى من ذي نفرٍ ، والخثعميينَ ، لكنّهُ فُوجِئَ بحَناطة الحِميري يدخلُ إليهِ ويقول له :

    ـ سيدي الملك ، إنَّ ملكَ قريشٍ قدْ أتى لِمُقابلتكَ .

    أصلحَ أبرهةُ من جِلستهِ ، ووضعَ تاجَهُ على رأسهِ ، فَلمّا دخلَ عَبدُ المطلبُ مَلأتْ هيبتهُ نفسَ أبرهةَ ، وخشيَ أن يُقاتلهُ العربُ فيَهلكَ في هذه الصّحراءِ البعيدةِ عن مُلكهِ ، فلمّا وقفَ عبد المطّلبِ أمامهُ ، قامَ إليهِ ، ونزلَ عن عرشهِ ، ودعاهُ إلى الجلوسِ معهُ على الأرضِ ، حتى لا يرتفعَ عنهُ ، جلسَ علدُ المطلبُ معهُ ، فقالَ أبرهةُ لِتُرجُمانه :

    ـ قل لهُ إننا ما جِئنا لنُقاتلكمْ ، وإنما جئنا لنهدمَ الكعبةَ .

    صاحَ عبد المطلب :

    ـ وهل تظنُّ أنَّك تستطيعُ هدمَ الكعبةَ ؟!!!.

    ارتجف أبرهةُ وهمسَ :

    ـ قلتُ لكم لا أريدُ قتالكمْ لا أريد قتالكمْ .

    صاحَ عبد المطلب :

    ـ ونحنُ لن نُقاتلكمْ .

    عجبَ أبرهةُ وهمسَ :

    ـ ومن يمنعنا من هدمِ الكعبةِ إذنْ ؟!

    صاحَ عبد المطلب :

    ـ اللهُ هو الذي يمنعُ بيتهُ .

    قهقهَ أبرهةُ وضحكَ كلُّ منْ في المجلسِ لولا إنْ رَأوا عُبوسَ عبد المطلب .

    وقف عبد المطلب بنزقٍ وصرخَ :

    ـ إنَّ ربَّ إبراهيمَ الذي منعَ النيرانَ أن تأكلَ إبراهيمَ قادرٌ على أن يحميَ بيتهُ الذي بناهُ إبراهيمَ .

    صمتَ المجلسُ كلُّهُ .

    وقفَ أبرهةُ واقترب منْ عبدِ المطلب بلطفٍ وقالَ لهُ :

    ـ هل لسيّدِ قريشٍ منْ مَطلبٍ .

    صاحَ عبد المطلب :

    ـ لا.. لا... إنَّ لي مَائتينِ من الجِمالِ قدْ سرقها جَيشكَ ، فلو رَددتها عليَّ .

    دُهشَ أبرهةُ لهذا الطلب ، فأجابهُ :

    ـ عندما رأيناكَ هبناكَ واحترمناكَ . فلمّا طلبتَ جِمالكَ ولمْ تطلبْ شيئاً لِحمايةِ الكعبةِ صِرتَ في أعيننا صغيراً .

    خرجَ عبد المطلب من خيمةِ أبرهةَ وهو يصرخُ :

    ـ أنا ربُّ الجمالِ ، وإنَّ للبيتِ رباً يحميه ، ولنْ تصِل إليهِ أبداً .

    قهقهَ قادةُ أبرهة كُلّهمْ ، وصاحَ أبرهةُ :

    ـ ردّوا على سيّدِ قُريشٍ جمالَهُ كُلّها .

    أحاطَ فرسانُ مكة بعبد المطلب ، وطاروا بهِ إلى مكة . كان قادةُ مكةَ كلّهم ينتظرونهُ ، هتف بهم :

    ـ لا أظنُّ أنّكم تستطيعونَ ردَّ أبرهة وجيشهِ ، اتركوهُ لربِّ البيتِ .

    كان اليأسُ يملأ قلبَ عبد المطلب وهو يصيحُ :

    ـ اخرجوا جميعاً من مكة ، أخرجوا النساءَ والأطفالَ خذوا جميعَ أموالكم حتى لا يصلَ إليكمْ أبرهةَ بضررٍ .

    خرجتْ مكةُ كُلّها إلى الجبالِ خوفاً منْ جيشِ أبرهةَ ، بينما كان أبرهةُ يدورُ حولَ فيلِ النجاشيِّ العظيمِ ويقولُ لهُ :

    ـ غداً سنهدمُ الكعبةَ وستعودُ إلى مولانا النجاشي بخبرِ انتقامنا من العربِ الذينَ دنّسوا كنيسةَ القُلّيسِ وأحرقوها .
    يا ربُّ احمِ بيتكَ


    كانَ عبدُ المطلبِ وأولادُهُ همُ الوحيدينَ الذين بقوا بمكة . كان يسير ببطءٍ نحوَ الكعبةِ وقلبهُ ممزقٌ ألفَ قطعةٍ من الآلامِ . وقفَ أمامَ الكعبةِ وأمسكَ بحَلَقةِ بابِها وصرخَ :

    ـ يا ربُّ إنَّ هذا بيتُكَ فاحمهِ من أعدائكَ يا ربُّ إننا لا نُطيقُ حربَ أبرهةَ ، فامنعْ أبرهةَ منْ هدمِ بيتِكَ .

    ثمَّ التفتَ وأسرعَ مع أبنائِهِ إلى الجبالِ .

    نصبوا خيامهم وجلسوا ينظرونَ إلى مكةَ بحزنٍ عميقٍ .
    أبرهةُ يقتربُ من مكّةَ


    دقّتِ الطّبولُ في جيشِ أبرهةَ ، فأفاقَ أهلُ مكّةَ كلّهُم ، ووقفوا يتفرّجونَ منْ فوقِ قِممِ جبالِ مكةَ العاليةِ .

    رَأوا جَيشَ أبرهةَ يتقدمُ إلى مكةَ ببطءٍ ، وفيلُهُ الضّخمُ يسيرُ أمامَ الجيشِ . فلمّا شارفَ المساءُ وقفَ الجيشُ على أبوابِ مكةَ ينتظرُ الصّباحَ ، كانَ أبرهةُ يخافُ أن يكونَ أهلُ مكةَ قدْ خدعوهُ ، فأخفَوا لهُ جيشاً سَيُقاتلهُ عندَما يدخلُ مكةَ ، لكنّهُ لمْ يجدْ في طريقهِ أحداً .

    أرسلَ جواسيسَهُ إلى مكةَ فداروا في أسواقها وأزقتها كلّها فلمْ يَجدوا فيها أحداً . فلمّا أخبروهُ هدأَ قلقُهُ ، وزادَ سرورُهُ ، سيعودُ من هذه الغزوةِ ظافراً ، لم ينمْ تلكَ اللّيلةَ ، كانَ قادته يسهرونَ معهُ يَفرحونَ لفرحهِ ، ويتسامرونَ كيفَ سيهدمونَ الكعبةَ ، وماذا سَيفعلون بحجارتها ؟!!.

    ومنذُ منتصفِ اللّيلِ كانَ السّائسُ أنيسُ يُجهّزُ فيلَهُ الضّخمَ ليدخلَ بهِ مكةَ ، وليَهدمَ معهُ الكعبةَ . كانَ الفرحُ يملأ نفسهُ ، سيأخذُ للنجاشيِّ بعضَ حجارةِ الكعبةِ ، وسوفَ يُعطيهِ النجاشيُّ وزنها ذهباً خالِصاً .

    كانَ ينظرُ إلى الفيلِ ويقولُ له :

    ـ أنتَ أملي أيّها الفيلُ ، وأنتَ ستكونُ سببَ غِنايَ وثروتي .

    كانَ يمسحُ خُرطومَهُ بحنانٍ ، وفيلُهُ ينظرُ إليهِ برضىً كاملٍ .

    أطلَّ الصباحُ والسّائسُ أنيسٌ يَعتني بفيلِهِ ، هيّأهُ أحسنَ تَهيئةٍ ، وأطعهمهُ أفضلَ طعامٍ يُحبُّه ، وانتظرَ أمرَ أبرهةَ بالزّحفِ ليهدمَ الكعبةَ .

    كان أهلُ مكةَ كلُّهُم يرونهُ ، وينظرونَ بِخوفٍ إلى فيلهِ الضّخمِ الذي لم يسبقْ لهمْ أن رأوا فيلاً قَبلَهُ .

    أبرهةَ يريدُ هدمَ الكعبةِ

    خرجَ أبرهةُ من خيمتِهِ وركبَ حِصانَهُ ونظرَ إلى الأُفقِ بفرحٍ ، الآنَ سيهدمُ الكعبةَ ، ضجَّتِ الدُّنيا بالطّبولِ ، فتزاحمَ أهلُ مكّةَ على رؤوسِ الجبالِ يَنظرونَ ماذا سيكونُ . انحنى السّائسُ أنيسٌ أمامَ أبرهةَ ، فصاحَ بهِ :

    ـ اليومَ يومُكَ يا أنيسُ ، هيّا إلى الكعبةِ ، وكلّنا خلفكَ .

    أسرعَ أنيسٌ إلى فِيلهِ ، قبّلَ رَأسَهُ ، وقفزَ على ظهرهِ .

    هزَّ مِقودهِ ليسيرَ فسارَ الفيلُ قليلاً ةببُطءٍ ، وسارَ الجيشُ كلُّهُ خلفهُ بينَ صرخاتِ الجُندِ وضرباتِ الطّبولِ . لكنَّ الفيلَ توقفَ بعدَ قليلٍ ، فوقفَ الجيشُ كلُّهُ لِوقوفهِ . نظرَ أبرهةُ إلى السائسُ أنيسٍ بغضبٍ وصرخَ بهِ :

    ـ لماذا توقفتَ ؟!

    نزلَ أنيسٌ بسُرعةٍ إلى فيلهِ ، شدّهُ بعنفٍ ، لكنَّ الفيلَ مالَ إلى الأرضِ وجلسَ . صرخَ بهِ أنيسٌ لكنّهُ لم يستجبْ . صرخَ بهِ أبرهةُ :

    ـ هيّا أيّها الكلبُ ، لماذا وقفَ الفيلُ ؟

    بكى أنيسٌ من شدةِ خوفهِ ، صاحَ :

    ـ لا أدري .. لا أدري ماذا حدثَ للفيلِ .

    أمرَ عشرةً من أتباعهِ كيْ يَشدّوهُ معهُ . فلم يستطيعوا زحزحتهُ . ضربوهُ بالعِصيِّ دونَ فائدةٍ . قفزَ أنيسٌ على ظهرهِ ، أدارَ وجههَ إلى جهةِ اليمنِ ، ثمَّ ضربهُ ضربةً خفيفةً على بطنهِ فقامَ يركضُ . فأدارَ وجَهُ نحوَ الكعبةِ فقعدَ دونَ حراكٍ .

    عجِبَ أبرهةُ لهُ ، ذكرَ فجأةً صرخةَ عبدِ المطّلبِ :

    ـ إنَّ للبيتِ رباً سيحميهِ .

    قالَ في نفسهِ :

    ـ إنْ لمْ يتحرّكِ الفيلُ فسَوفَ أهجُمُ بالجيشِ كُلّهِ على الكعبةِ ، لابدَّ أنْ أهدِمُها .

    لمْ يتحرّكِ الفيلَ من مكانهِ . ولمْ ينجحَ ألفُ جنديٌّ في زحزحتهِ عن مكانهِ . طارَ صوابُ أنيسٍ وهو ينظرُ إلى فيلهِ الرّابضِ على الأرضِ . أمسكَ عصاهُ الطّويلةَ وأدخلها في أُذنهِ ، فصاحَ الفيلُ من الألمِ ولمْ يتحرّكْ ، ساقهُ مرّةً ثانيةً نحو اليمنِ فقامَ يركضُ ، فلمّا اتجهَ بهِ إلى مكّةَ رَبضَ دونَ حراكٍ . أمسكَ بخنجرهِ وجرحَ لهُ بطنهُ ليقومَ ، لكنهُ لم يقمْ . كانَ يصيحُ من الألمِ لكنّهُ لا يتحركُ من مكانهِ .

    سمع أهلُ مكةَ كلُّهم صُراخَ أبرهةَ يقولُ لجيشهِ :

    ـ هيّا معيَ إلى مكّةَ .. لابدَّ من هدمِ الكعبة .

    فسارَ الجيشُ كلّهُ خلفهُ . نظرَ إلى أهلِ مكةَ الواقفين فوقَ الجبالِ فرآهم ينظرونَ إلى السّماءِ فوقهُ ، نظرَ إلى السّماءِ فرأى ، طيوراً سوداءَ تقتربُ من جيشهِ جماعاتٍ جماعاتٍ ، شكلُها غريبٌ ومخيفٌ ، وكلُّها تنظرُ إلى الجيشِ ، ثُمّ أخذتْ تحومُ حولهُ ، لم يرَ أبرهةُ طَوالَ حياتهِ مثلَ هذهِ الطّيورِ ، كان يتفرّجُ عليها حين شاهدَ فرسانهِ يصرخونَ منَ الألمِ ثمَّ يسقطونَ عن خيولهمْ .. عجبَ لذلكَ . علتِ الصَرَخاتُ في الجيشِ ، رأى الطّيورَ ترمي بحجارةٍ تقتلُ فُرسانهُ .


    لم يُصدِّقْ عينيهِ . نظرَ إلى السّماء فوجدها مملوءَةً بالطّيورِ التي ترمي بالحجارةِ كالمطرِ ثمّ رأى الفيلَ يركضُ إلى اليمنِ وهو يملأ الدنيا بصرخاتهِ كأنّهُ يفرُّ من الموتِ . كان ساءسهُ أنيسٌ على ظهرهِ مقتولاً .

    كانت الطّيورُ السّوداءُ الغريبةُ تتوافدُ جماعاتٍ جماعاتٍ .. حتى حجبتْ الشمسَ . سمع أبرهةُ أهل مكةَ يصرخونَ :

    ـ قتلتهمُ الطيورَ الأبابيل .. قتلتهمْ الطيورُ الأبابيلُ .

    شعرَ أبرهةُ بآلامٍ رهيبةٍ في يدهِ . نظرَ إليها فرآها قد سقطت بعدَ أن أصابتها إحدى حجارةِ الطّيورِ الأبابيلِ ،

    ـ يا ويلي ...

    ثمّ أسرعَ بفرسهِ وهو يصيحُ :

    ـ إلى صنعاءَ .. إلى صنعاء ..

    لكن لم يسمع قوله أحدٌ ، كان جنودُهُ قد ماتَ مُعظمهمْ والباقونَ فرّوا هاربين . كانت الطّيورُ تلاحق كلَّ هاربٍ منهم وتقتلهُ . نظرَ أهلُ مكةَ فلم يصدقوا عُيونهمْ ، ماذا جرى ؟! صرخَ عبدُ المطلبِ :

    ـ حمى الربُّ بيتهُ ... حمى اللهُ بيتهُ ...

    وركضَ يريدُ أن يعرفَ ماذا حلَّ بجيشِ أبرهةَ ، لكنَّ رجالَ مكةَ حاولوا أن يمنعوهُ ، قالوا لهُ :

    ـ لا تذهبْ حتى لا تُصيبكَ الطيرُ الأبابيلُ بحجارتها

    لكنهُ صرخَ بهم :

    ـ نحنُ أهلُ بيتِ اللهِ ، ولن يصيبَنا ما أصابَ الأحباشَ ثمَّ أسرعَ إلى مكانِ الجيشِ الحبشيِّ . وأخذ أهل مكّةَ كلّهم ينظرونَ ماذا سيجري معهُ ؟! كان أبناؤهُ يحيطونَ بهِ خوفاً عليه ، وكان يركضُ نحو مواقع جيشِ أبرهةَ كالمجنونِ .

    رأى الجندَ قتلى ، ورأى أموالهم وذهبهم وأسلحتهم الحبشيةَ الرّائعةَ مطروحةً على الأرضِ .. مدّ يدهُ وحملَ سيفاً من سيوفهم ثمّ ألقاهُ كأنه يخافُ أن يُصيبهُ شيءٌ بأذى . فلمّا لم يحدث لهُ شيئٌ أخذ السّيفَ مّرةً ثانيةً ، ثمَّ نظرَ إلى أبنائهِ وصاحَ بهمْ :

    ـ اجمعوا هذه الأموالَ فهي غنيمةٌ لكم.

    فأسرعوا يجمعونَ الأموالَ والأسلحةَ ويكدّسونها .

    لمّا رآهم أهلُ مكةَ نزلزا من جبالهم كالسّيولِ يجمعونَ الغنائمَ من جيشِ أبرهة الذي قتلتهُ الطّيورُ الأبابيل بحجارتها العجيبة . وخلالَ ساعاتٍ كان كلّ ثمينٍ في جيشِ أبرهةَ قد جُمعَ .

    صاحَ عبدُ المطلبُ :

    ـ هيّا ادفنوا القتلى قبلَ أن يُهلِكوكم بروائحهم .

    أسرعوا يحفرونَ الحفرَ ، ويملؤونها بجثثِ القتلى حتى انتهوا . صاحَ عبد المطلب :

    ـ يا أهلَ مكةَ هيّا إلى كعبتكم .

    سارَ أمامهم وساروا خلفهُ يحملونَ غنائمهم . فلما وصلوا إلى الكعبةِ أخذوا يطوفونَ حولها . سكبَ عبدُ المطلب العطورَ على الكعبةِ ، وتمسّحَ الناسُ كلّهم بها وهمْ فرحونَ ، إنّها بيت اللهِ الذي حماهُ من أعدائهِ .

    هبّت على مكةَ ريحٌ طريةٌ حملتْ إلى كعبتها قشَ القمحِ وأوراقِ الشّجرِ اليابسةَ ، كانت الرياحُ تعصفُ بها وتلقيها في أرضِ الحرمِ حولَ الكعبةِ والنّاسُ حولها فرحونَ ... كانت أغنامُ المكيينَ تسرعُ إلى التّبنِ وأوراقِ الشّجرِ اليابسةِ لتأكُلهُ .

    وقف عبدُ المطلبُِ ينظرُ إلى أغنامهِ وهي تأكلُ الأعشابَ التي كانت تعصفُ بها الرياحُ . فقال :

    ـ يا أهل مكةَ ، هل يستطيعُ هذا التبنُ أن يمنعَ الأغنامَ من أن تأكلَهُ بقوتهِ ؟

    صاحوا جميعاً :

    ـ ماذا حصلَ لعبدِ المطلبِ .. وهل يستطيع ما تعصف به الرياحُ أن يحاربَ؟!

    صرخ :

    ـ أليسَ التبن هو العصفُ المأكولُ ؟

    أجابوهُ :

    ـ نعم. نعمْ ... هو التبنُ الذي تطيرُهُ الرياحُ ، وتأكلهُ الأغنامُ والجمالُ ، فهل تتعظونَ ؟!!..

    همسوا جميعاً :

    ـ الحمد للهِ ..

    صاحَ بهم :

    ـ بماذا قتل اللهُ أبرهةَ وجيشَهُ ؟

    همسوا :

    ـ بحجارةٍ صغيرةٍ مغموسةٍ بالطّينِ ، صُلبةٍ .

    صاحَ بهم :

    ـ إنّها حجارةُ السجيل قتلَ اللهُ بها أعداءَهُ ، وحمى بها بيتَه ، فاحمدوا اللهَ يا أهلَ مكةَ ، احمدوه أن حماكمْ مع الكعبةِ من شرِّ أبرهةَ الأشرمِ صاحبِ الفيلِ .

    اقتربت جاريةٌ من عبدِ المطلبِ وهمست لهُ :

    ـ سيّدي عبدَ المطلبِ ، إنّ آمنةَ بنتَ وهبٍ تتوجعُ .. بَطنُها يُؤلمها .

    همسَ لها :

    هلْ ستلدُ يا بُنيّة ؟!

    ضحكت وهمستْ :

    ـ قد يكونُ .. قد يكونُ ..

    قالَ إذا ولدتِ الآنَ آمنةُ بنتَ وهبٍ فلن أنسى طوالَ حياتي يومَ ولادتِها .. إنّها وَلدت في عامِ الفيلِ .

    قدمَ العربُ كلّهم إلى مكةَ يهنئونَ أهلها ، ورفع أهلُ مكةَ رأسهمْ عالياً ، إنّهم أهلُ البيتِ الذي حماهُ الله من أصحابِ الفيلِ الذينَ هزمهمُ اللهُ بالطّيورِ السوداءِ تحومُ فوقهمُ جماعاتٍ جماعاتٍ أي أبابيل ، وترميهمْ بالحجارةِ الصُّلبةِ المغموسةِ بالطّينِ ، حجارةِ السّجيل ، فماتوا جميعاً وأصبحوا كالتّبنِ وأوراقِ الشَجرِ اليابسةِ تذروها الرّياح ، وتعصفُ بها ، وتأكلها الحيوانات فهي العصفُ المأكولُ .. إنها التبن الماكولُ . لكنْ هل سيذكرُ أهلُ مكّةَ فضلَ اللهِ عليهمْ وحمايتهُ لهم ، وحمايةَ بيتهِمْ منْ أصحابِ الفيلِ ؟!!.
    أَلمْ ترَ كيفَ فعلَ رَبُّكَ بأصحابِ الفيلِ


    ارتفعَ صوتُ محمّدٍ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مكّةَ يقولُ :

    ـ أيها النّاسُ اعبدوا رَبَّ هذا البيتِ ، اعبدوا اللهَ وحدهُ ، أطيعوا أمرَهُ ، اكفروا بأديانِ آبائكمْ وأجدادكمْ ، اعبدوا رَبَّ هذا البيتِ .

    آمنَ بالإسلامِ الضعفاءُ والعبيدُ والنّساءُ ، ووقفَ سادةُ مَكّةَ يُحاربونَ محمداً صلى الله عليه وسلم ويُعذّبونَ أصحابهُ . فوجئ سادةُ مكّةَ حينَ سمعوا صَارخاً يَصرُخُ عندَ الكعبةَ :

    ـ ألمْ ترَ كيف فعلَ ربُّكَ بأصحابِ الفيلِ ؟!

    همسوا جميعاً :

    ـ نعم واللهِ .. لقدْ أهلكَ اللهُ أصحابَ الفِيلِ وهزمهمْ حِمايةً لبيتِهِ .

    تابعَ الصّارخُ :

    ـ ألمْ يجعلْ كيدهم في تضليلٍ !

    همسوا :

    ـ نعم واللهِ .. لقد ذهبَ كيدهمْ ، فلم يُفدهم شيئاً ... لمْ يستطيعوا هدمَ الكعبةِ .

    قاطعهم الصّارخُ :

    ـ وأرسلَ عليهم طيراً أبابيلَ .

    صاحوا :

    ـ نعمْ .. نعمْ .. لقد رأى آباؤنا تلكَ الطّيورَ بأعينهمْ ، رأوا طيوراً سوداءَ تحومُ حَولَ جَيشِ أبرهةَ

    جماعات جماعات ..

    صرخ الصارخ :

    ـ ترميهم بحجارة من سجيل .

    همسوا :

    ـ صدقت .. إن أحجار السجيل قد اخترقت أجسامهم .

    أكمل المنادي :

    ـ فجعلهم كعصف مأكول .

    صاحوا :

    ـ هكذا قال آباؤنا .. لقد أصبحوا كالتبن قتلى لا حراك لهم ، ودمرهم الله .

    سكت القارئ ، ثم صرخ :

    ـ أيها المشركون . كيف تكفرون بدين الله وبالرّسولِ الذي أرسلهُ وأنتم تعترفونَ بفضلِ رَبّكمْ عليكمْ ، وحمايتهِ للكَعبةِ بنفسهِ . إنّ كيدكمْ للإسلامِ سيذهبُ مثلَ كيدِ أبرهةَ .. وسينصرُ اللهُ دينهُ ، أَفَهِمتمْ ؟

    قاموا إليهِ وضربوهُ وركلوهُ حتى فقدَ وعيهُ . فهل حققَ اللهُ كلامهُ ؟

    نعم .. لقد نصرَ اللهُ دينَهُ على المشركينَ ، وسينصرُ دينهُ دائماً على الكافرينَ .


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 17, 2017 10:54 pm